06‏/08‏/2010

عيد تجلّي ربّنا يسوع المسيح له المجد

تم نشر هذا المقال من قبل الأب نقولا الحداد في 9:27 ص 2 تعليقات



عيد التجلّي

الوضعيّة البشريّة: من السماء إلى الأرض ومن الإنسانيّ إلى الإلهيّ دون تشويهٍ أو امتزاج. في الواقع، على الجبل العالي، في ثابور، لم يجر أيّ انتقالٍ من الواحد إلى الآخر. لم يلغ شيءٌ ولم تحدث أيّة قطيعةٍ أو انفصامٍ جوهريّ. الطبيعة البشريّة والطبيعة الإلهيّة تتداخلان دون أن تتضارب أو تتلاشى. كلتاهما موجودتان في ضياء الله. الأمر يتعلّق بالجمال القديم، بالوضعيّة المحض بشريّة، والتي لم يشوّهها الشرّ بعد، وضعيّة المخلوق كما كوّنه الخالق. وهكذا يعطي المسيح مثالاً للحالة النهائيّة الشموليّة للإنسان عندما يتماسك مع الله في الحقّ، مشعّاً بالنور الإلهيّ. إنّه يشير إلى إعادة بنيان الحالة الفردوسيّة. آدم الجديد يظهر ما كان عليه القديم قبل أن يعرف الخير والشرّ والموت. وضعيّة الإنسان هذه عندما يصار إليها، مثولاً في حضرة الله، يصبح الأبديّ شيئاً من الواقع. التلاميذ "وقد غلبهم النعاس" "يستفيقون" ويرون " مجد يسوع". كلّ الظلمات تتبدّد. ويظهر النور الإلهيّ الجمال الحقيقيّ للمخلوق. إحدى النتائج الأوّليّة تكون انعدام الفصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات. ولنا في تواجد موسى وإيليّا بجانب الإله - الإنسان المتجلّي على ذلك خير دليل. الأمر يصبح جدّ طبيعيّ لدرجة عدم استحالة رؤيته على التلاميذ الذين " رأوا". وهذه الرؤيا يكلّلها الارتياح والحالة الفضلى :" يا ربّ، حسنٌ أن نكون ههنا. فإن شئت نصبت ههنا ثلاث خيم: واحدةً لك وواحدةً لموسى وواحدةً لإيليّا". لم يكن يدري ما يقول، يشير مرقس ولوقا، لكونه أخذ من شدّة الفرح والهلع. ولكن يا للأسف ! لا يمكنه المكوث هناك. فعلى المسيح يترتّب احتمال الصليب بعد، وعلى التلاميذ استكمال مسيرة جهادهم على هذه الأرض: على بطرس بعد إنكاره المسيح أن يشهد له حتّى الاستشهاد، على يعقوب أن يؤسّس أوّل كنيسةٍ ويعاني أيضاً مرارة الاستشهاد كما أنبئ له آنفاً (لو16:21)، وعلى يوحنّا بعد أن يصبح كوكب الناطقين باللاهوت. لم يعد يسوع وموسى وإيليّا في السماء فقط. إنّهم هنا على الجبل أمام التلاميذ. الله معنا. الإله - الإنسان، الخالد، خلال هذه اللحظات من حياته الأرضيّة، يجمع نبيّين من الماضي بثلاثة رجالٍ من الحاضر. ويشرع يكلّمهم، الخمسة، وهؤلاء يكلّمونه أيضاً. هو يظهر نفسه لهم ويظهرهم بعضهم لبعض، لأنّه إله الأحياء (لو38:20).
التربية على المجد بالصليب: " لقد ذهبت بتلاميذك إلى جبلٍ عالٍ، قبل صلبك يا ربّ، وتجلّيت أمامهم منيراً إيّاهم بأشّعّة القوّة. فمن جهةٍ حبٌّ للبشر، ومن أخرى سلطةٌ وسيادة. على أنّك أردت أن تعلن نور القيامة. التي نسأل أللهمّ أن تؤهّلنا لها بسلامةٍ، فإنّك رحيمٌ ومحبٌّ للبشر"
لا يجب أن ننسى أنّ التجلّي حدث في لحظةٍ من لحظات التاريخ لم يكن التلاميذ فيها قد أنهوا مسيرة نموّهم الروحيّ. صيّادون بسطاء، ما زالوا يعتبرون السيّد " الربّاني يسوع" أي المعلّم .لقد رأوا الشفاءات والمعجزات وتكثير الخبزات، وسمعوا الكلمات الغريبة والتبشير الجديد التي قلبت كيانهم اليهوديّ رأساً على عقب لكنّ أذهانهم لم تكن بعد قد فتحت لتفهم الكتب. ما زلنا قبل العنصرة . ورغم ذلك سألهم يسوع قبل الحادثة بأسبوعٍ واحد:" من تقول الناس أنّ ابن الإنسان هو؟" أجابوه:" البعض يقول أنّك يوحنّا المعمدان والبعض الآخر إيليّا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء .فقال لهم :"ومن أنا في قولكم أنتم؟" فأجابه سمعان بطرس :" أنت المسيح ابن الله الحيّ "(مت13:16-16). هذا الإعلان الذي وإن يكن أظهر للتلاميذ أنّ المعلّم هو المسيح، إلاّ أنّه لم يكن كافياً للدلالة على ألوهيّة هذا المعلّم، وإن أشار إليها، فهو أيضاً عاجزٌ عن شرح كيفيّة موت هذا الإله ليحقّق ما كتب عنه وما به هم وعدوا بملكٍ لا بشخص يموت على الصليب. أولم يعاتب بطرس المسيح على نبوءة الموت بقوله :" حاش لك يا ربّ ! لن يصيبك هذا !"؟ (مت22:16؛ مر32:9). لا يأتي المجد إلاّ بعد الهوان. ولا يفهم الأخير إلاّ بعد إدراك مرامي الأوّل.
أيّهما أسهل للاعتقاد ؟ إله مجدٍ أم إلهٌ استشهاد ؟ سيّدٌ يتجلّى أم إله يصلب ؟ أين يحتاج المرء إلى ذروة الإيمان أعلى ثابور أم على الجلجلة ؟ ربّما سؤالٌ كهذا راود ذهن يوحنّا الحبيب الذي عايش الحدثين. المجد كما الصليب ينخرط في إطار الوحي الإلهيّ وفي التاريخ النبويّ للبشريّة. التجلّي هو فقط لمن ارتقوا سحب ثابور عبر سلّم الفضائل بعد تعريجهم على جبل الجلجلة إلى حين. هذا الأمر يختصّ بمن سبق فترة الوحي الإلهيّ بالتجسّد كما يختصّ أيضاً بمن عاصروها ومن يأتون بعدها. لا الأحياء ولا الأموات يعجزهم بلوغ المجد الثابوريّ على الرغم من الموت والألم لا بل بواسطتهما. ومن أجدر من التي جاز "سيفٌ في قلبها" أن تسبقنا إلى ثابور، إلى نور الحياة الجديدة ابنة القيامة المجيدة وهذا ما نعيّد له في الخامس عشر من آب، بعد العيد بتسعة أيّام ؟

2 التعليقات:

الهي :أين كانت تختبئ تلك الشمس التي انبثقت من وجهك , وأين كان يتستر ذلك النور الذي شعً من ثوبك ؟؟
ربًي اني في أمسً الحاجة الى نورك , كي يبدد من حولي كل ما يزال يشدًني الى هذا العالم ...

يا مَن تجلّى وأظهر لتلاميذه بهاء مجده، ساعدنا أن نتجلّى في حياتنا المسيحيّة، فنُظهر للعالم بهاء الصورة التي جدّدتها بتجسّدك أيها المسيح الإله،وأعطنا أن نشهد للحق الذي هو أنت يا محبّ البشر

إرسال تعليق

أذا لديك اي أستفسار أو تعليق أو أقتراح
يمكنك كتابته هنا
--------------------------------------
عائلة سيدة الوحدة