04‏/06‏/2011

رسالة جان فانييه - تروللي - أيار 2011

تم نشر هذا المقال من قبل إدارة الموقع في 1:17 م 5 تعليقات

يمكنكم تحميل الرسالة على شكل نسخة PDF من خلال الرابط التالي
رسالة جان فانييه - تروللي - أيار 2011
----------------------------------------------------------------------------------------

رسالة جان فانييه
أصدقائي الأعزاء،
إنه الربيع، إنه الربيع ! الشمس تحمل لنا الدفيء، الطيور تغرد، بعد تساط قطرات الثلج يأتي البنفسج وتُزهر المرغريت، والكثير من الأزهار الصغيرة. الأشجار المثمرة مليئة بالأزهار. أمام باب منزلي هناك أشجار التفاح، مليئة بالأزهار تَعِدنا بثمار جيدة في الصيف.
بعد لقاء في أوتروت (Ottrot) حيث اجتَمعت كل جماعات الآرش بفرنسا في 1996، أعطوني عصا صغيرة، وكانت غصن لكرمة، زرعتها، غير واثق من نفسي ومن الغصن. و في نيسان 1997 حيث كان يبدوا ظاهرياً أن الغصن قد مات، ظهرت عليه براعم صغيرة جداُ حيث أصبحت بعدها ورقة ثم ظهرت عدة أوراق انتشرت في كل مكان، ثم ظهر العنب. عصا الكرمة الصغيرة أصبحت كرمة كبيرة، حيث أنها ومنذ عدة أيام أعطت براعم صغيرة، إنه الربيع.
منذ رسالتي الأخيرة، الحياة هنا كانت مليئة بالثلوج وخلال شهر ديسمبر، كانت الطرقات مليئة بالجليد حيث البرد يتغلغل في كل مكان. الآن نسينا البرد، وبدأت الحياة.
اسمحوا لي هنا أن اقتبس من شعر كريستيان بوبين (Christian Bobin): "أنا عندي سر، أحمل السر في أطراف أصابعي كما يحمل أحدهم فراشة بين إصبعين. أهم شيء هو أن لا نضغط، أن لا ندفع، لا نتكلم كثيراً. السر هو أن قلب هؤلاء الذين ماتوا ينبثق بفرح." بعد ألم الشتاء هناك الربيع. نعم هناك انبثاق للفرح للذين يعبرون من الموت إلى الحياة، لكن بالنسبة للذين هم في الأرض يرون أصدقائهم يعبرون، إنها لحظة ألم.
نحن في هذه اللحظة، في زمن الصوم والذي سينتهي بموت يسوع. لا أحد يريد المسيح ورسالته. هو جاء يقترح طريق الشراكة والسلام لعالم أصبح مُظلِم بالمنافسة، والانقسام، والحقد والحرب.
بموته وقيامته، ظهرت لنا طريق صغير للسلام، وقد سلمه لبعض الأشخاص ليعلنوا بأننا لم نُدعى للمنافسة بل للحب. نعم يريدنا الله أن نكون قوة جديدة، روح جديدة لتُظهر الحب.
نحن متأكدين بأن عالمنا فيه الكثير من المآسي: هايتي وباكستان وساحل العاج واليابان وليبيا وأماكن أخرى لم يتم التكلم عنها كما الكثير من القلوب المقتولة في كل بلداننا. الإنسانية هشة، عالمنا هش. وفي نفس الوقت وفي أماكن الألم هناك العديد من علامات الحب ومن الأمل. كانت أم يسوع عند أقدام الصليب. عندما كان يسوع يعيش وقت صعب، مُحتَقر ومرفوض من أصدقائه، كان هناك شخص واحد بجانبه. كانت تقول له: "أنا أحبك، عندي ثقة فيك." كانت تشجعه بحبها. الآرش، مثل إيمان ونور ولدت في لحظة تاريخية هامة حيث يُجهَض الكثير من الأشخاص المعاقين قبل ولادتهم. دعا الله في هذه الأوقات لخلق أماكن، ليس فقط لإشغال الأشخاص المعاقين بل من أجل إظهار بأنهم أناس رائعين، عندهم عطايا يقدمونها للآخرين. وإذا نحن أقمنا علاقة معهم، فإن لهم قوة لتحويل قلوبنا. بالرغم من المأساة، هناك أماكن تعلن قيمتهم وجمالهم. الله يهتم بإنسانيتنا المجروحة.
أحياناً أسمع بعض الشباب يقولون بأنني الآن في عمر 82 سنة، وأستطيع أن أخذ استراحة، وخاصة أنني لم أعد أحمل أية مسئولية. بالحقيقة إن حياتي الآن تأخذ معنى أعمق. أستطيع أن أعيش الجوهر، والذي هو "العيش مع" وليس "العيش من أجل" الأشخاص الضعفاء.
عندما تركت البحرية في 1950، انضممت لجماعة صغيرة إسمها "بيت الصداقة" في قلب هارلم (Harlem)، المنطقة السوداء في نيويورك. لقد تكلم عنها توماس ميرتون (Thomas Merton) في سيرته الذاتية. زرت هذه الجماعة عندما توقفت السفينة حاملة الطائرات في نيويورك في فصح 1950. بطريقة ما، كان لدي حدس بأن العيش مثل تلميذ يسوع بالنسبة لي هو العيش مع الفقراء والمرفوضين. بطريقة ما، تأثرت أيضاً من جماعة "العمال الكاثوليك" التي أسسها دروثي داي (Dorothy Day) في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يحصل فقراء الشوارع على الأكل والمأوى في روح من الإخوة وروح الإنجيل. لقد تأثرت أيضاً بروحانية شارل دي فوكو وأخوات وإخوة يسوع الصغار: جماعات صغيرة حيث يعيش فيها عدة أشخاص مع بعضهم البعض بتواضع وبساطة في مناطق الفقراء، وليس برغبتهم هداية الناس، كما ليس هدفهم تقديم مساعدات مالية بل ببساطة يريدون أن يظهروا للفقراء بأن هناك من يحبهم ويحترمهم وبأنهم رائعين ومحبوبين من الله.
وكما تعرفون بأنني لم انضم للجماعة في هارلم بل انضممت لـ "ماء الحياة" التي أسسها الأب توماس، ارتباطي به أثمر عن مجيئي إلى بلدة تروللي، وبداية العيش مع رفائيل وفيليب، وهم الذين أخرجتهم من مشفى الأمراض النفسية في منطقة في باريس، حيث كان يوجد الكثير من الأشخاص والكثير من العنف، وقد وعيت بأن الأشخاص المعاقين كانوا يعيشون بين أشخاص عندهم اكتئاب، ويُساء معاملتهم وغالباً يُغلَق عليهم في البيوت أو في المؤسسات. لقد اكتمل حلمي الذي بدأ 1950 بالعيش مع أشخاص فقراء ومرفوضين من أجل إظهار كرامتهم .
لقد حَمَلت المسئولية في جماعتي لعدة سنوات، كما مسئولية على الصعيد الدولي في الآرش وفي إيمان ونور. ليس لدي الآن دور محدد، ولكن بالطبع أنا مرتبط في جماعتي حيث أتناول وجباتي الغذائية معهم. أحببت دائماً أن أكون صديق وأخ لكل عضو من أعضاء جماعتي والجماعات الأخرى. أردت أن أصلي مع إخوتي وأخواتي، أن نأكل أن نحتفل معاً. واليوم مظهر العيش هذا مع الفقراء والمرفوضين أصبح في قلب حياتي ( يسوع سماها التطويبات، لوقا 14)
أشعر أنني مقتنع أكثر فأكثر بأن الله اختار الضعفاء، الأكثر غباءً، ليخزي الأقوياء والحكماء. بساطتهم وقلوبهم - التي هي غالباً وبكل وضوح أكثر انفتاحاً من قدراتهم الذهنية - وعطشهم العميق من أجل العلاقة، يبدوا أنها تجعلهم أكثر انفتاحاً على الله والذي هو حب وعلاقة. هذا الله المحب يشعر بالارتياح معهم.
أشعيا، ( 57 : 15) قال باسم الله "لِأَنَّه هكذا قالَ العَلِيُّ الرَّفيع، ساكِنُ الخُلودِ الَّذي قدُّوسٌ أسمُه: أَسكُنُ في العَلاءِ وفي القُدْس ومع المُنسَحِقِ والمُتَواضِعِ الرُّوح، لِأُحيِيَ أَرْواحَ المتواضِعين وأُحيِيَ قُلوبَ المُنسَحِقين." ومزمور 113 يقول: "يُنهِضُ المِسْكينَ مِنَ التُّراب ويقيمُ الفَقيرَ مِنَ الأَقْدار." غالباً الأقوياء والمتنافسون يُبعِدون ويَسحَقون الضعفاء. الله مع الضعفاء، فرحي أن أكون معهم وأحتفل بالحياة.
الحياة في جماعتي بسيطة، بالإضافة للوجبات والصلوات أحب أن أجلي الصحون مع الكل، الصحون تخرج حارة جداً من الجلاية وتكاد تكون ناشفة، بالرغم من ذلك، خدمتي - وأنا أؤديها وأنا جالس - ليست متعبة ولا متطلبة. إنها لحظات فرح وضحك، باتريك ليس فعالاً جداً ولا إيريك، لكننا نتسلى معاً.
حياتي في تروللي، عندما لا يكون عندي رياضة في La Ferme، هي استرخاء. في الصباح ألتقي بالناس، بعد الغذاء أستريح قليلاً، قبل استقبال زائرين بعد الظهر، ثم القداس وبعدها العشاء في الـ Val ثم نقوم بتنشيف الكؤوس والصحون ثم نصلي معاً. معظم الأحيان نحن حوالي 20 شخص على العشاء. وطبعاً لدي أوقاتي للتأمل ولقاء يسوع.
أنا اعترف بأن هذه الأيام، أشعر بأنني مثل ديناصور، العديد من المساعدين وغالباً الأشخاص الذين عندهم إعاقة عندهم موبايل تليفون. بالنسبة لي أنا متعود على التليفون الثابت، ولكنني تعودت قليلاً الآن لاستعمال الموبايل، كنت غالباً اعتقد أن الناس في الشارع أصابها شيء من الجنون، يتكلمون مع أنفسهم، ولكنني أخيراً اكتشفت بأنهم يتكلمون مع أصدقائهم بواسطة هذه الآلة الصغيرة، ومن ثم اكتشفت أن هذه الآلة الصغيرة فيها كاميرا، تليفزيون، كمبيوتر، رزنامة وكنت متعجب، كيف يمكن أن يكون ذلك ممكن؟
لقد علمت من الإحصائيات بأن الفرنسيين يتفرجون على التليفزيون بمعدل ثلاث ساعات وعشرين دقيقة كل يوم، بالتأكيد هناك العديد من الأشياء المهمة على التليفزيون، لكن هناك أيضاً الكثير من الخيال والعنف. الخطر هو أن التليفزيون لا يساعد في نضوجنا الإنساني. النضج ليس فقط أن نتحمل الواقع بل قبوله، واستقباله ومن ثم الرد ليس انطلاقاً من عدوانية واكتئاب أو عن طريق الهروب إلى واقع افتراضي، أوهام أو ايدولوجيات بل بالحكمة، حكمة الفهم، الطيبة والحقيقة. بالطبع الحقيقة والحكمة لا يعبر عنهما عن طريق حوار عقلاني بل أيضاً عن طريق الفن، والثقافة، نعم أنا أشعر بأنني بعيد عن عالمنا الحديث. أن أقول أنا سعيد في جماعتي والمسئولين جيدين معي: أنا أؤمن بأنني لا أسبب لكم الكثير من المشاكل ويستقبلونني وأنا أصبح كضيف. أحب أن أعيش في الجماعة في علاقة حقيقية وليس في عالم افتراضي وأنا سعيد مع كل مسئولين إيمان ونور والآرش في العالم.
تكلم جان بول الثاني عن رؤيته حول الكنيسة (استبدلت كلمة "الكنيسة" بـكلمة "الآرش"): "إنها بيت ومدرسة الشركة، إنها تحدي كبير حيث ظهر لنا في بداية الألفية الثالثة وهكذا نريد أن نكون مخلصين لمخطط الله، ونستجيب لمتطلباته وانتظاراته العميقة للعالم... روحانية الشركة هي أن نكون حاضرين واحدنا للآخر للمشاركة في فرحه وألمه، لنرى ما هي رغباته، والرد على احتياجاته، لنقدم له صداقة عميقة وحقيقية، لنستقبله ونقدره كعطية الله، عطية من أجله. في النهاية هي مسالة تَعَلُّم كيف نعطي أخوتنا مكاناً، بينما يحمل واحدنا حمل الآخر."
في المرحلة الأخيرة من حياتي، أحب أن أعيش هذه الشركة وانشرها في جماعتي.سألت باتريك وهو الطبيب النفسي في تروللي ما هو النضوج الإنساني، أجاب "الحنان". أليس الآرش وإيمان ونور مكان مدعو للحنان والشركة، وبهذه الطريقة نكون علامة صغيرة في العالم؟
بالنسبة لي هذا هو الإنجيل. يسوع وقبل حياته العلنية عاش حياة خفية في الناصرة لحوالي 30 سنة يعمل مع يوسف ويعيش مع مريم ويوسف، حاضراً مع الناس وخاصة فقراء البلدة، يسوع كان متأثر بحياة عائلة مريم ومرتا ولعازر في بيت لحم (يوحنا 11) تقوم العلاقة على الشركة مع لعازر، الضعيف. شارل دي فوكو كان منجذب لحياة بسيطة مع ناس بسطاء مسلمين، ليس من أجل هدايتهم، بل ليظهر لهم بأنهم محبوبين من الله. وجد شارل دي فوكو حضور الله الخفي حول الأفقر.
في سعي مهاتما غاندي ومارتن لوثر للوحدة في الهند وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تلقوا دعم كبير من الهنود وأشخاص ذي البشرة السوداء ليحصل كل شخص على كرامته. في المجتمعات حيث يُسحَق الفقراء ويُدفَعون للحافة لأنهم يزعجوننا (بالرغم من التحسن الكبير في استقبالهم) وهم غالباً يتم إجهاضهم قبل ولادتهم، لا أشعر أنني مدعو لإقامة تظاهرة كبيرة في باريس للدفاع عن كرامتهم، ولكن فقط عن طريق العيش معهم ومن خلال ذلك نستطيع أن نقول بأن هؤلاء الأشخاص رائعين وعندهم الكثير ليعطوا مجتمعاتنا إذا أراد أحدنا العيش معهم. من خلال حياتنا في الآرش وإيمان ونور، ومن خلال الفرح الذي يشع من جماعاتنا، وبالرغم من الألم والصعوبات، نريد أن نكشف عن طريقة أخرى للوجود، حيث الاحتفال، الفرح مع العمل، نأكل ونصلي معاً، وحيث يوجد شركة وحنان بيننا فإن هذا يقود الكثيرين لتغيير نظرتهم تجاه الفقراء ويكتشفون طريقة جديدة للعيش.
إنه فصح 2011! انه احتفال كبير بذكرى ولادة إيمان ونور: 40 سنة على الحج الكبير 1971 حيث التقى 12000 حاج في لورد ليصلوا ويحتفلوا على أمل التغيير في الطريقة التي ننظر إليها للفقراء. والآن يوجد 1690 جماعة صغيرة من جماعات إيمان ونور في 80 بلد. ماري ايلين ماتيو هي في طريقها إنجاز كتابها حول تاريخ إيمان ونور وخاصة كيف أن إيمان ونور (مثل الآرش) كانت منقادة منذ البداية بلطف يد الله القريب من الفقراء.
أشكر كل الجماعات التي أرسلت لي التحيات وإن شاء الله سنحتفل معاً بذكرى 40 سنة على بداية إيمان ونور.
احتفال بفرح لتجدد الحياة!
جان

---------------------------------------------
تم إستيراد الرسالة من موقع إيمان و نور في الشرق الأوسط : www.emanwaniur.org

5 التعليقات:

رسالة كتير رائعة

فيها تعمق كتير و حاسس أنو هلق جان فانييه عم يحكي خلاصة حياتو ......

أحيانا الكلمات لا تكون مجرد كلمات رسالة وانما كل كلمة هي طريق في الحياة .....حقيقة أن الحياة هي مشاركة الاصدقاء في كل شيئ.....هي الحنان ..
جعلتني كلماته أتعلم بأن أفرح بأبسط الأشياءالتي أقوم بها (أجلي الصحون )..وتعلمت بانه حتى الضعف فرح لأنك تشارك به الضعفاء...............
الفرح هو القبول

تماما نسرين
هاد هو الشي يلي لازم ينعاش
فالفرح و الحياة لا تكون بكثير من الأشياء الجميلة و المبهرة و لا تحمل كثير من التكاليف المادية

لكنها أبسط بكثير الفرح هو بسمة بسيطة جدا تخرج من قلب صاف يحبك و يرغب بك

جان فانييه برسائلو عم يعلمنا كتير أشيا و ياخدنا لأماكن لازم ننتبهلها

لازم نتلتفت لكتير من الشغلات الصغيرة يلي ما بتكون عبالنا أبدا بس بتكون حاضرة معنا

هي الأشياء الصغيرة هي يلي بتعطي جوهر إيمان و نور

بجد رسالة كتيييييييييير رائعة ومفيدة للتأمل أين نحن من العيش معا"
،""بقيامة يسوع ظهرت لنا طريق صغير للسلام، وقد سلمه لبعض الأشخاص ليعلنوا بأننا لم نُدعى للمنافسة بل للحب. نعم يريدنا الله أن نكون قوة جديدة، روح جديدة لتُظهر الحب.""
حسبنا أن نحبّ .... بحبّكم كلّكم

تماما ريم سؤال صراحة كتير مهم

أين نحن من العيش معاً !!!!!!!

إرسال تعليق

أذا لديك اي أستفسار أو تعليق أو أقتراح
يمكنك كتابته هنا
--------------------------------------
عائلة سيدة الوحدة