02‏/09‏/2012

السّلوك المسيحيّ في زمن التـّوتّر!

تم نشر هذا المقال من قبل إدارة الموقع في 1:09 ص لا يوجد تعليقات


نقلا عن موقع دير القديس يوحنا المعمدان و القديس سلوان الأثوسي - بقلم  الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
-------------------------------------------------------------------------------

السّلوك المسيحيّ في زمن التـّوتّر!


الأحوال سيِّئة! البعض يهاجرون! آخرون يستعدّون! وآخرون حيارى! كيف نتعاطى الأمور؟

     صحيح! أوضاعنا صعبة. لا وضوح بشأن ما سيكون عليه الغد. البحر مائج، وعالي الأمواج أحيانًا! إذا كنت تطلب النّصيحة من منطلق الأحوال السّياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة فعندي لك جواب. وإذا كنت تطلب النّصيحة من منطلق كنسيّ فعندي لك جواب آخر. سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا أقول لك لا يقين لدى أحد، فيما يبدو، بشأن ما سيحدث غدًا. شعوري، بواقعيّة، أنّنا دخلنا في المجهول وأنّنا مُقبلون على تغييرات كبيرة! أقول "تغييرات كبيرة" لأنّ المستجدّات غير مألوفة، وطبيعة الصّراع غير عاديّة! هناك نمط فكريّ، كان سائدًا، يبدو أنّه أخذ ينهار. وهناك نمط فكريّ آخر يتكوّن لا تبدو أبعاده واضحة ولا إلامَ سيفضي. نحن بإزاء تفاعلات مستجدّة لم نعهد مثيلاً لها خلال السّتّين السّنة الفائتة من حياتنا، تتداخل فيها أصوليّة المنحى ورجعيّة التّوجّه بالحداثة والحرّيّة. هذه الاتّجاهات عرضة للتّنافر، فيما بينها، أكثر ممّا هي عرضة للتّكامل، لأنّ الوجدان، في عمقه، لا يتغيّر إلاّ ببطء شديد قياسًا بالانفعالات وردود الأفعال. هذا صحيح، بخاصّة، عندنا، لأنّ الوجدان، بيننا، راسخ في التّاريخ والتّراث؛ وتاريخنا يربط الماضي بالدّين بقوّة ليجعل حاضرنا غير قابل، بيُسر، لاختراق الإنسانويّات المعاصرة إلاّ سطحيًّا. سهلٌ، والحال هذه، أن تعرف ما لا تريد، لأنّك تحكم على ما هو موجود أمامك؛ ولكنْ ليس سهلاً، أبدًا، أن تعرف ما سينجم عن إبحارك في مياه لا قِبْلَ لك بها! "تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن"! ما تشتهيه شيء وما تواجهه شيء آخر تمامًا! الأمور أعقد في المياه الجوفيّة للوجدان من كلام "التّمنيّات" على المنابر! ليست الأحوال بالبساطة الّتي يظنّها العديدون! ويزداد، عندنا، التّعقيد تعقيدًا، لأنّ مياهنا ملأى بأسماك القِرش الخارجة إلينا من المحيطات، تلتمسنا لذاتها صيدًا! مِن هذا المنظار نستبين بحيرةً اصطناعيّة لتربية السّمك وصيدِه! والصّيّادون كثُر لأنّ مياهنا عامرة بالغاز والبترول!

     هذا إذا سألتَ من منطلق الأحوال السّياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة.

     من منطلق كنسيّ، الصّورة مختلفة تمامًا.

     هنا، بعامّة، النّاس يولَدون، لوالديهم، في كنيسة وأرض. لسنا كالغرب. هنا، بعامّة، نُعمَّد صغارًا. مسيحيًّا، ننشأ، قليلاً أو كثيرًا، على الإيمان بالرّبّ يسوع المسيح. هذا يحدِّد انتماءنا إلى تراث وإلى جماعة مؤمنين يتآزرون، في المبدأ، للبنيان المشترك والقداسة والشّهادة. على أنّ الانتماء إلى الكنيسة مرتبط، عضويًّا، بالمكان الّذي نولَد فيه. على أرض الواقع، ليست الكنيسة الجامعة كيانًا مطلقًا، بل حضور في مكان محدّد. هنا، انتماؤنا هو إلى الكنيسة في أنطاكية. لا انتماؤنا إلى الكنيسة ولا إلى أنطاكية هو أمر عَرَضيّ! لا يلعب الله النَرْد! طبعًا أبناء الإيمان، اليوم، مشبَعون بأفكار غريبة ومضادة لإيمان الكنيسة الّتي يولدون فيها. مشبَعون، بخاصّة، بروح الفردانيّة، فيما الكنيسة، في أساسها، شركويّة الطّابع. قلّما يعتبرون أنفسهم شركاء فيما للجماعة. يتحرّكون على سجيّتهم دونما مراعاة لغيرهم في الجماعة الّتي تدين بإيمان واحد جامع محدّد والتزام محدّد وشهادة محدّدة؛ لذا تُعرف الجماعة بكونها "الكنيسة" في المكان الّتي هي فيه. الفردانيّة شَوهّت وتشوِّه معطًى أساسيًّا من معطيات الكنيسة القويمة. رغم كلّ شيء، تبقى الكنيسة، في تكوينها، شركةً، جسدَ المسيح، ولا تتحوّل إلى جملة جزر فردانيّة! الفردانيّون لا يغيِّرون طبيعة الكنيسة بل يقطعون أنفسهم، روحيًّا، بفردانيّتهم، عنها! كلٌّ حرّ في أن يسلك وفق قناعاته. هذا لا شكّ فيه. لا إكراه في الإيمان! المشكلة ليست في تفرّق المؤمنين فقط، على إيلامه، ما دام أنّ المؤمنين عرضة للتّيّارات الاجتماعيّة الدّهريّة السّائدة؛ بل المشكلة، بالأكثر، أنّ جلّ المؤمنين، ليس مَن يرعاهم، بعدُ، على روح الشّركة، ولا ينشأون، تلقائيًا، في إطار روح الشّركة!

     وإلى روح الشّركة، كأساس للبنيان الكنسيّ، هناك الانتماء إلى الأرض، كأساس آخر لهذا البنيان. الأرض، هنا أو هناك أوهنالك، هي لكي تتقدّس، بالمؤمنين، بناسها، وبكلّ ما فيها. الأرض جعل الرّبُّ الإله فيها المؤمنين شهادة له وآنية لحضوره. روح الرّبّ اصطفاهم، بعامّة، لهذه الدّيار دون سواها. لا يختار الرّسول موضع رسوليّته بل الله! فقط "متى طردوكم في هذه المدينة"، كما قال الرّبّ يسوع، "فاهربوا إلى الأخرى. فإنّي الحقّ لكم: لا تُكملون مدنَ إسرائيل حتّى يأتي ابن الإنسان" (متّى 10: 23). كلٌّ رسولٌ في كنيسته، كلٌّ نبيٌّ، كلٌّ كاهنٌ! ليس في الكنيسة مَن هو فاعل ومَن هو منفعِل. ولو انحطّت الممارسة في الكنيسة، أحيانًا، إلى هذا الدَرَك، فليست هي القاعدة ولا مقبولة. لا فقط المستأثِرون بزمام الأمور يسيئون إليها، بل المنفعِلون، أيضًا، وبالأَولى، ما داموا قد تبلَّدوا واستسلموا واستقالوا! إذا ما كانت قِبلة الرّعاة، بالأبوّة، سلامة البنوّة، فقِبلةُ عامّة المؤمنين، بالبنوّة، سلامة الأبوّة، حتّى لا تتحوّل كِلا الأبوّة والبنوّة كلامًا أجوف، والكنيسةُ مؤسَّسةً من هذا الدّهر!

     إذًا، في المبدأ، يلتصق المؤمن بكنيسته المحلّيّة وبأرضه. هذه حصّته في أرض الميعاد كما قسمها ربّه له. هنا يولد وهنا يتقدّس وهنا يؤدّي الشّهادة وهنا تضمّ الأرضُ عظامه رفاتًا! يتقدّس ويساهم في قداسة سواه حيًّا وميتًا! طبعًا قد تكون له إطلالاته، هنا وهناك، على الكنيسة في غير مكان، وقد يُفرَز لغير شعبه، عند اللّزوم، من باب التّضامن بين الكنائس المحلّيّة، لكنّه مشدود، بعامّة، بحبل السّرّة، روحيًّا، إلى كنيسته المحلّيّة وأرضه، وبتكليف من الله!

     أفهم أن يغادر أحدٌ كنيستَه وأرضَه لصعوبات اقتصاديّة، سعيًا وراء لقمة العيش له ولعائلته ولفقراء كنيسته وحاجاتها. أفهم أن تضطرّه بعض الهموم المحلّيّة لأن يخرج إلى هنا أو إلى هناك لبعض الوقت؛ ولكنْ يُتوقَّع منه أن يكون قلبُه إلى كنيسته وشعبِ مرعاه، وأن يكون شريكًا في معاناتها ومعاناته في الشّدائد، إلى أن تزول أسباب بعاده عنها وعنه ويعود!

     الأحوال الأمنيّة، اليوم، مترجرجة؟ واضح! ولكنْ لا مبرّر للاستسلام للخوف. نخاف؟ طبيعيّ أن نخاف! ولكن ليس الهرب الحلّ! أليس لنا مسيح؟! الخوف هو لكي نهرب إلى مسيح الرّبّ لا عنه! يفهم المرء أن نسعى للانتقال إلى مكان آمِن نسبيًّا، إلى أن تهدأ الأحوال! لا تزال، عندنا، مواضع آمَنَ من سواها. لنخرج إليها متى استدعت الحاجة! كيف نتدبَّر؟ نعمل ما في طاقتنا ونترك الباقي لله. إنّما يسمح الرّبّ الإله بأن لا يعود لنا حول ولا قوّة إلاّ به، لأنّه يشاء لنا أن نُشفَى من نزعات سبق أن تكوّنت فينا، وأن يهتمّ بنا، عن كثب، بطريقة هو يعرفها ولا دراية لنا بها. يشاء الرّبّ الإله، في مثل هذه الأحوال، أن يعلِّمنا كيف نُسلِم أنفسنا إليه. "لتكن مشيئتك". كم صلّينا من الشّفتَين؟! الآن يُعطى لنا أن نصلّي من قلب موجوع!

     لم نستنفد، بعدُ، الحلولَ المكانيّة! ألا نعلم أنّ تَشبثّنا بكنيستنا وأرضنا يجعل ملائكة الله، بصورة غير منظورة، ولكنْ حقيقيّة جدًا، تحتفّ بنا كما لم تحتفّ بنا خارج أوقات المعاناة؟! في زمن الأمان يُترك لنا أن ندبّر الكثير من أمورنا بحكمتنا البشريّة وذكائنا وقوانا، فمتى حلّت أوقات الضيق وبتنا أعجز من أن نتدبَّر بذواتنا فإنّ نعمة الله تسدّ النّقص وتزيد. أما قيل: "حيث ٱشتدتِ التجربة ٱزدادت النّعمة جدًا"؟!

     لا تخورنّ عزائمنا، ولا مبرّر للتهافت على السّفارات للهجرة! الضيق الّذي نمرّ به، لأجل المفارقة، ليس للموت بل لأجل مجد الله! ما يشاؤه لنا الرّب الإله هو الخلاص، فإنّه جاء ليخلّص ما قد هلك. يسوع الاسم معناه "يخلّص شعبه من خطاياهم". لذلك، كلّ مناسبة، في تعامل الرّبّ يسوع معنا، هي مناسبة للخلاص. في زمن اليُسر يوفّر لنا ما فيه وقاية لنا، وفي زمن العسر، ما فيه شفاؤنا! الطبيب السّماوي يعمل. لتكن لنا ثقة به، ولو تألّمنا! الدّملة المتجذِّرة فينا نزعُها يؤلم! ولكن هذا ألمٌ للعافية. ومن ثم الهرب من الألم يكون هربًا من الصّحة والعافية! بقليل من الثّبات والصّبر والصّلاة تأتينا التعزية، كما أتى ملاك الرّب بطرس في السّجن، لِيفكَّ سلاسل ٱضطرابنا ويفتح لنا باب سجن مخاوفنا! أي خلاص سيكون لنا إذا كنا لنحزم أمتعتنا ونرحل لدى أقل ضيق! لا حاجة لمشاهدة أخبار التلفزيون كثيرًا، ولا للأحاديث السّياسيّة! هذه أكثرها سموم وتبثّ، في النّفس، أفكارًا تُشيع الاضطراب وتبعث المخاوف وتُضعف الإيمان بالله! أخطر الأسلحة الّتي يحاربنا بها الشرّير: الأفكار! يضاعف فينا الخوف ويوهن فينا الرّجاء، كما ليوحي لنا بأنّه لا خلاص لنا بإلهنا! لسنا، في نهاية المطاف، أرانب! أما لنا أن نساهم في خلاص نفوسنا؟! ما هو أخطر علينا من كلّ خطر جسدي أن نستسلم في زمن السّلم، من دون الله، للفتور والبطر، وفي زمن الشدّة للهرب!

     أنّى لك يا أخ الإيمان أن تهرب لتنعم بالرّاحة، أنت وخاصتك، ولا تبالي بأن تكون عائلتك الكبرى في المسيح في التعب؟! غير صحيح أنّك مسؤول فقط عن نفسك وأهل بيتك! أنت مسؤول، أيضًا، عن كنيسة المسيح في أرض مهدك! لا نصيب للأنانية في المسيح! ولو صمت وصلّيت وأتممت كلّ فروضك، وأنت لا تبالي بأعضاء جسد المسيح في أرضك، فلا قيمة لا لصيامك ولا لصلاتك ولا لفروضك! أما تعرف أنّك إن هربت، ظانًا أنّك بذلك تنجو بنفسك، لأنّ لك مالاً يُتيح لك السّفر والعيش في الخارج، وما كنت لتبالي بمن خلّفت وراءك من بني شعبك، فأنت تحتقر خراف المسيح الفقراء، ومن ثم المسيح الفقير نفسه؟! حتّى لو ٱنصرفت، في هذه الحال، إلى خدمة الكنيسة في غير مكان، لا يكون عملُك مقبولاً. أوّلاً لأنّ ربّك جعلك في شعب محدّد وكنيسة محدّدة وأرض محدّدة، وأنت فرّطت بالأمانة! فرّطت بالأمانة، في الحقيقة، لا لأنّك غيّور على كنيسةٍ للمسيح متألّمةٍ في غير ديارك، بل لأنّ الأمر يريحك ويناسبك! أنت لا تبالي بكنيسة المسيح بل بما لنفسك! لا يمكن للأنانيّة، عند الله، أن تتغطّى بالإلهيّات! عند النّاس، ربما تيسّر ذلك؛ أما الله فينظر ويحكم على أساس ما في القلب! أبناء لا روح تضحية فيهم عوق لا أبناء! إلى أي كنيسة ننتمي ما دمنا نتهافت على الموضع الّذي فيه مال وفير ونترك الفقير، وعلى الموضع الّذي نعيش فيه بطمأنينة ونترك المساكين يتخبّطون في "التعتير"، وعلى الموضع الّذي ينعم فيه النّاس بالكرامات بٱسم المسيح ونترك البؤساء هامات معلّقة على الصّليب؟! من يهرب من الشدّة، في زمن الشدّة، يهرب من المسيح، ومن يدير ظهره للخراف الضعيفة، في قطيع المسيح، يدير ظهره لراعيها!

     كلام صعب؟! أكيد! ليس أحد مُلزَمًا به! كلٌّ حرّ في أن يفعل ما يشاء! "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الّذين أُعطي لهم" (متّى 11:19)! هوذا زمن الغربلة! و"كلّ زرعٍ لم يزرعه الآب السّماويّ يُقلَع"!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما


------------------------------------------------------------------------------

المصدر 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أذا لديك اي أستفسار أو تعليق أو أقتراح
يمكنك كتابته هنا
--------------------------------------
عائلة سيدة الوحدة